-->

أنماط التعبير الفلسفي عند ابن سينا والكندي والفارابي

أنماط التعبير الفلسفي عند ابن سينا والكندي والفارابي


أولا: التعبير الفلسفي عند ابن سينا


    إن التعبير الفلسفي عند ابن سينا ينطلق من رسالته التي مضمونها أن ''الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتـصور الأمـور والتصديـق بالحقائق النظـرية والعمـلية على قـدر الطاقة الإنسانية''، لأنها متعلقة بالأمور العملية التي لنا أن نعلمها، وهي منقسمة إلى ثلاثة أقسام : حكمة مدنية وحكمة منزلية وحكمة خلفية، و منطلقاتها جميعها من جهة الشريعـة الإسلامية التي تتصرف فيها القوة النظرية التي تؤشر على معرفة القوانين واستعمالها في الجزئيات.


  فابن سينا كان واضحا حين عرض لصلة كل من الحكمة العملية والحكمة النظرية بالدين، لا سيما حينما أشار إلى أن ''الحكمة هي صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه، وما الواجب عليه عمله مما ينبغي أن يكتسب فعله..''. ومن هنا يبدو جليا مدى تشبتـه بالحكـمة التي كان لها تـأثيرا بليغا على مـذهبه، لأن هـذه الحكمة التي هي منطلقه جعلها أصولا ومنها توابع وفروع، بحكم أنه تلقى ​​تعليمًا ممتازًا في جميع المجالات، رغـم أنه أسهـب في دراسته للعـلوم الفـكرية، أي المنهـج الفـلسفي المعمول به فـي المدارس اليونانية للتعليم العالي في العصور القديمة المتأخـرة، وخاصة في الإسكندرية، لكـن إبداعه الرئيس كان مرتكزا على وضع الخلاصة الفلسفية، وهي عمل شامل يشتمل على جميع أجزاء الفلسفة  كما صُنِّفَت في أواخر تلك العصور.


التعبير الفلسفي عند الكندي


     ينطلق الكندي من اعتبار الفلسفة-أو بالأحرى علوم الفلسفة- منقسمة إلى ثلاثة أقسام: أولها العلم الرياضي في التعليم وهو أوسطها في الطبع، والثاني علم الطبيعيات وهو أسفلها في الطبع، والثالث: علم الربوبية وهو أعلاها في الطبع.


    فهذا المنطلق يعتبر من بين المحاولات الأولى لإبراز المعاني والاصطلاحات الفلسفية في أساليب عربية بحكم وجود تداخل كبير في وضع تعريف جامع  للفلسفة. ورغم  وجود العديد من الاختلافات الجوهرية في هذا الصدد فإن الكندي صار على دربه واقتنع بمبادئ متكاملة جعلها ركيزة أساسية لا غنى عنها، على اعتبار أن بداية الفلسفة الإسلاميّة المبكّرة


تزامنت مع العصر الذهبي للإسلام أواخر القرن الثاني عشر الميلادي الذي يشير إلى بداية مرحلة جديدة غاية في الأهمية. وإذا كان الشائع عن فلسفة الفارابي أنها فلسفة  مثالية  فهذا عين الصواب، بحكم أن الفلسفة بشكل عام هي محاولة لتغيير الواقع في الآراء والسلوك.

 

التعبير الفلسفي عند الفارابي


    من المعروف أن فلسفة الفارابي كانت مبنية ومرتكزة على فلسفة أفلاطون، ومرد ذلك لرؤاه تجـاه فلسفة المجتمع التي وضع أساسها ورتـب مسائـلها، ما جعــله يعد أول فلاسفة المسلمين اجتهادا وفكرا وتصورا، لأن ارتباطه بالفلسفة أسهم في نضج مقاربـات فـلسفية مختلفة.


غير أنه  للفارابي مصطلح  معين ل '' فلسفة الدين '' ، لأنه كان أميل إلى فلسفة المـجتمع، أو ما يـمكن اعتباره الفلسفة المدنية.  ومن هـنا يبدو جـليا توجهـه إلى عـرض معنى الفلسفة من خلال الإحاطة بأقسامها والتركيز على الغاية منها، وعلى الفرق بين الدين والفلسفة في بيان أفصح وأبسط، وكل ذلك لم يمنعه من تفريق هذه الأبحاث إلى مواضع من كتبه لمناسبات، لاسيما حينما قال في كتابه : ''الجمع بين رأي الحكيمين'': ''إذ الفلسفة حدها وماهيتها أنها العلم بالموجودات بما هي موجودة..''.


    فهـذا التصور والاعتقــاد صار مطابقـا لصناعة الفلسفة، وكل ذلـك يتبين من خـلال استقراء جزئيات هذه الصناعة، لكون موضوعات العلوم وموادها لا تخلو من أن تكون : إما إلهية، وإما طبيعية، وإما منطقية، وإما رياضية أو سياسية....

 

التعبير الفلسفي عند أرسطو


    إن المتأمل لفلسفة أرسطو وتصوره يتبين له من الوهلة الأولى أنها فلسفة معزولة عن واقـعـهـا الحي وعن الإطـار الزمكـاني الذي كتبت فـيه، لكن ما يلفـت الانتباه أن تـطـوره الأكاديمـي بحكــم تتلمذه على يـد أفلاطون قد ساهم بشكل كبيـر في ازدهـار ونضج الأفكار التي كان أرسطو مقتنعا بها، بحكـم ارتكـازه على مـبادئ الخطـابـة التي كانت تدرس في المدرسة الإيسـوقراطية في الوقت الذي التحـق فيه بالأكاديمية الأفلاطونيـة، وتشبع فيها بمعارف عصره لدرجة أنه لا يمكننا تصور أنه ترك علم من أعلام عصره دون أن يتعرف على فكره.

 

      ومن هنا يبدو واضحا أن التــعـبير الفلسفي عند أرسطو قد  تأثر بالروح التي سادت بالأكاديمية، وبالحكمة السقراطية التي التقطها أفلاطون وأثر من خلالها في تلاميذه تأثيرا عميقا طال امتداده لسنين عديدة بعده.


    وخلاصة القول أن اتجاهات الفكر الفلسفي مهما بلغت حدة تباينه فإنه يسهم بشكل كبير في تطور البحث العلمي وازدهار العـلـوم باختلاف علمائها؛ فـفـلسفة أرسطـو على سبيـل المثال كان لها فضل كبير وتأثير عميق على العديد من المذاهب بحكم تداخلها في بـعـض الجزئيات، وهنا تتضح لنا مكانة الفلسفة اليونانية. ذلك أن هذا التأثير المتبادل لم يمنع من أن تكون هناك اخـتلافات في وجهـات النظر، وخير مـثال على ذلك نجد مسايرة أرسطـو لأفلاطون في العديد من الأفكار التي تؤشر في مجملها على ازدهار وتميز الفكر اليوناني.

 

 وفي نفس الوقت نجده يخالفه الرأي حول أزلية العالم وحول تقسيم التاريـخ الإنساني إلى عصور بدأت ذهبية ثم انحطت بعد ذلك . وهذ جوهر الفكر وجوهر البحث الذي يفـرض تقبل الاختلاف والرأي الآخر، بغرض الإسهام في ازدهار الأفكار ونضجها بدل التعصب في تقبل الاختلاف.

 

الحمد لله له الشكر وله الحمد

لقد وفقنا الله في هذا الموضوع، وإنني قد عرضت تلخيصا فقط

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 

المراجع والمصادر المعتمدة:

-فلسفة أرسطو والمدارس المتأخر  للمؤلف مصطفى نشار  ص 13-17 بتصرف

-تاريخ الفلسفة اليونانية  للمؤلف يوسف كرم       ص47-48 بتصرف

-فلسفة اليونان لجعفر آل الرياس     ص 5-6-7 بتصرف

تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية/للمؤلف مصطفى عبد الرزاق ص 88 وما بعدها بتصرف 


لتحميل العرض PDF اضغط هنا

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

مدونة التعلم الشامل

2016